محمد عبد العزيز الخولي
256
الأدب النبوي
الذهب والفضة ، ولي ديون على فلان وفلان ولكم سخوت على الفقراء ، وجدت على المساكين ، وأبرأت مدينين من ديون كانوا عن أدائها عاجزين ، وهكذا لا يبرح يقول إن لي ولي وهو في كل ذلك كاذب مائن ومنافق مخادع حتى ينكشف للناس أمره ويبدو لهم عواره « 1 » فيطالبوه ويلازموه فيعدهم ويمنيهم ويضرب لهم الآجال ويتملقهم رجاء أن يمهلوه حتى إذا جاءت مواعيده ، وحلت النجوم ، استمهلهم وطلب منهم أن ينسئوه « 2 » مرة أخرى وهو في كل ذلك يماطل ويراوغ « 3 » . لأن الدّين بهظه « 4 » وضاقت عليه موارده وخانه حظه وعثر به جده ، وألفي يديه صغرا بما كان يؤمله . فالتمس الخلاص لنفسه من الناس وإذا بالسبل كسم الخياط « 5 » أو هي أضيق ، وبالأبواب قد أرتجت دون تنفيس كربته أو تفريج غمته فسقط في يده وأسلم نفسه للمقادير تناوشه فتصرعه فلا يجد منها مفرا ولا ملتحدا « 6 » . ذلك شأن الذي يستدين فيما يكرهه اللّه أو فيما لا يكون له حاجة للاستدانة فكم من بيوت عامرة خربت ، وثروات طائلة ذهبت وبادت ، ونفوس كانت كريمة عزيزة ذلت وهانت ، وحرمات استطالت على الدهر خضعت وأنوف عزت على الإحن والحوادث أرغمت بالدّين ومهانته . كل ذلك لدّين لم تمس إليه الحاجة ولم تدع إليه ضرورة ملحة . بل لمظهر كاذب ونفاق مزر ، وابتغاء الزلفى لحاكم أو ولي والجري وراء عرض زائل أو إشباع شهوة مرذولة « 7 » ، وإطفاء غلة ممقوتة . وهذا هو الذي يستعيذ منه الرسول صلوات اللّه عليه . أما الاستدانة لحاجة ماسة مع القدرة على الأداء فلا يستعاذ منه ، ولا يستغني عنه إلا القليل من الناس لأن بعضهم محتاج إلى بعض ولا غنى لأحدهم عن الآخر - وما أحوجنا إلى الاقتداء بالرسول صلى اللّه عليه وسلم في استعاذته والبعد عما يوجب الذلة ويزري
--> ( 1 ) عواره : ضعفه وجبنه . ( 2 ) ينسئوه : يؤخروه . ( 3 ) يراوغ : يخادع ويوعد . ( 4 ) بهظه : غلبه وشقّ عليه . ( 5 ) سم الخياط : السّم : كل ثقب ضيق كثقب الإبرة أو غيرها ، وسم الخياط ثقب الإبرة . ( 6 ) ملتحدا : الملجأ . ( 7 ) مرذولة : الرذيلة : الخصلة الذميمة .